الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )

527

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية

وقال : إن بعض الناس يقول : كيف نضيّع خمس سنين أو ست سنين في تحصيل هذه الطريقة مع أن العاقبة مجهولة ، أتحصل في تلك المدة أم لا ! . وهذا القول يدل على بعدهم عن ساحة السعادة ، فإن الإنسان إذا ضنّ بخمس سنين من عمره في طلب الحق سبحانه وتعالى ففيماذا يصرف جميع عمره ؟ ! . وقال في هذا المعنى أيضا : ينبغي للسالك أن لا يسأم ولا يضجر عن الطلب ، بل اللازم أن يدوم ويصبر على الشدائد والتزام الباب بكمال الأدب قائلا : [ شعر ] لن أبرح الباب حتى تصلحوا عوجي * أو تقبلوني على عيبي ونقصاني ألا ترى أن سائلا لو قرع باب واحد من كرام الناس وألحّ في السؤال فلا جرم يستحي من رده محروما بل يرده بكسرة الخبز التي هي مقصوده . وما يطلبه الطالب من الطريقة لأهون على اللّه من كسرة خبز بالنسبة إلى هذا الكريم ، فكيف يرد طالبا صادقا وهو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين ولكن لا بد من الجد والصبر . وقال : إن بعض السالكين أراه مغموما ومهموما دائما لظنه عدم حصول النسبة ، وليس الأمر كذلك ، فإن من دوام الذكر والصحبة لا بد من أن يحصل له النسبة ، ولكن لما كان حصولها على سبيل التدريج لا يظهر له شيء فيزعم أنه لا يحصل له شيء فيغتمّ بذلك وهذا كمن يعطي ولده للخطاط ليعلمه الخط فيستكتب منه الخطاط في ساعته ويحفظ ما كتبه عنده ثم يترقّى الولد في الخط شيئا فشيئا وأبوه لا يشعر بذلك . فبعد مضي أيام يقول للخطاط : إن ولدي ما تعلّم شيئا ، فيخرج الخطاط ما كتبه الولد أولا فيقابله بما كتبه في ذلك الوقت ، فيتميز الغث من السمين ، وكذلك هنا يعرف المرشد تباين الحالين ولكن أمر الطريقة لما كان أمرا معنويا غير محسوس لا يمكن تفهيمه إلا بالتمثيل . وقال في بيان سر عدم حصول هذه النسبة دفعة : أنه سأل واحد شيخه عن ذلك فقال : لو أن جوادا مثلا لو أعطى مالا جزيلا لواحد من الفقراء ربما لا يكون لهذا المال قدر عنده ويصرفه فيما لا يعنيه ويفنيه في أيام قلائل ويبقى محتاجا مفلسا ، بخلاف ما إذا أعطاه تدريجا فإنه ينفعه ويجد منه بركة عظيمة . أقول : وهذا كما قيل : إن المحصول بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب مع ما في حصولها دفعة واحدة من فوات المقصود ، أعني : حصول البصيرة في معرفة عقبات الطريقة فإنه كلما كانت مدة السلوك أطول كانت البصيرة في معرفة عقباتها ومقاماتها أوضح وأكثر .